مولي محمد صالح المازندراني
282
شرح أصول الكافي
ضبطه وحفظه وإعطاء الدين دون إشهاد أو وثيقة بغير الموثوق به وإبداعه عند الخائن وأمثال ذلك . وأمّا تحسين الطعام والثياب وتكثيرها وتوسيع الدار فليس من إفساد المال للموسّع عليه وإفساد المال مذموم قطعاً ; لأنّ المال الحلال مكسبه ضيّق جدّاً وفساده يوجب هلاك النفس وتضييع العيال أو التعرّض لما في أيدي الناس ; ولأنّ الله تعالى إنّما أعطاه ليصرف في وجوه البرّ وأبواب الخير ، فمن أفسده كان كمن ضادّ الحقّ وعاداه . وبالجملة في حفظه مصلحة للدين والدنيا . ( وكثرة السؤال ) عن اُمور لا يحتاجون إليها ، سواء كانت من الاُمور الدنيوية أو الدينية ، كما مرّ أنّ مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتى يسقط عليك منها شيء ، وفيه حثّ على ترك الإلحاح في السؤال ، وإنّ رجلاً سأل عليّ بن الحسين ( عليهما السلام ) عن مسائل فأجاب ثمّ عاد ليسأل عن مثلها فقال ( عليه السلام ) : « مكتوب في الإنجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ، ولمّا تعملوا بما علّمتم » ( 1 ) ، وقد نقل أنّ بعض أهل العلم سئل عن شيء فأجابه فقيل له : فإن كان كذا فأجابه ، ثمّ قيل له : فإن كان كذا فقال : هذه سلسلة متّصلة باُخرى إنّما قال ذلك لكراهة الاستكثار في الاستفسار وذلك مذموم خصوصاً من الجاهل الذي لا يقدر على إدراك حقائق الأشياء كما هي ومعرفة اُصول العقائد كما ينبغي وفهم غوامض المسائل من أحوال المبدأ والمعاد والجبر والقدر والتفويض وأمثال ذلك ، فإنّ ولوغه في ذلك يوجب حيرته وضلالته وكفره ( 2 ) ، والأسلم له أن يكون من أهل التسليم والانقياد ويرشد إليه ما رواه مسلم عنه ( صلى الله عليه وآله ) قال : « ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنّما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم » ( 3 ) ، وذلك لا ينافي الحثّ على السؤال كما في بعض الروايات مثل ما روي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) حين سئل عن مجدور أصابته جنابة فغسّلوه
--> 1 - تقدّم ضمن الحديث 4 من باب استعمال العلم . 2 - وذلك لأنّ جميع المسائل ليس ممّا يفهمه جميع الناس ، بل منها ما لا يناله أحد إلاّ الأولياء والأنبياء ، فما يتبادر إلى ذهن بعض الجهّال من أنّ اُصول العقائد جميعها يجب أن يكون ممّا يفهمه العامّة وأنّ ما لا يعرفونه فهو باطل غلط ، فكم من مسألة يحرم على الجاهل التعرّض لها ويحرم على العالم بيانها للعوام إلاّ إذا اطمئنّ بقدرة المستمع على امتياز مدركات الوهم من مدركات العقل أو يمرّنه أوّلاً ويعدّ ذهنه ثمّ يلقيه إليه ، مثلاً لا يعرف العامي الفرق بين الحادث الذاتي والحادث الزماني ، والمحال العقلي والمحال العادي ، والنوادر ولا يفرّق بين كون الشيء ممّا لا يدركه العقل وكونه ممّا يدرك استحالته ، وهكذا وقد رأينا جماعة يحكمون ببطلان آراء بأنّهم لا يفهمونه وأنّه بعيد عن أذهان العامّة ، وأنّه لا يفيد العوام ولا يعلمون أنّه لا يجوز حرمان القادر لعجز العاجز . ( ش ) 3 - صحيح مسلم : ج 7 ، ص 91 .